عبد الملك الجويني

165

نهاية المطلب في دراية المذهب

ما نذكره التردُّدُ في سن اليأس ، وقد ذكر المعتبرون من أئمة المذهب قولين : أحدهما - أنا نردها إلى أقصى سنٍّ في اليأس لامرأة في دهرها ، فإنا إذا احتجنا إلى اعتبارها بغيرها ، فليس بعض النساء أولى من بعض ، وعلى هذا يستقيم طلب النهاية . والقول الثاني - أنها تعتبر بأقصى سنٍّ في قرابتها وعشيرتها ، ولا يُخصَّص بذلك جانبُ الأب عن جانب الأم ، بل نعتبرهما ، وليس هذا كمهر المثل ؛ فإنا نعتبر فيه النساء من جانب قرابة الأب ؛ إذ الركن الأولى بالاعتبار في مهر المثل النسب ، وجانب الأب يختص بالنسب ، وإنما تأكد أمر النسب لمكان الكفاءة ، وعمادها الأظهر النسب . وذكر بعض المصنفين وجهين آخرين سوى ما ذكرناه : أحدهما - أنا نعتبر أقصى امرأة في بلدتها . والثاني - أنا نعتبر أقصى سن اليأس في نساء عصبتها ، كمهر المثل ، وهذان الوجهان ضعيفان ، أما اعتبار البلدة ، فلعله مأخوذ من تأثير الهواء والبقاع والأصقاع في الخِلَق الكلّيّة ، كما أنها تؤثر في قِصَر الأعمار وطولها ، وفي الألوان وغيرها ، ثم لعلّ المرعيَّ فيه الصُّقع والناحية ولا يختص بالبلد ، ويُقرِّب [ اعتبارَه ] ( 1 ) ظهورُ اختلاف الأهوية والعلم عند الله فيه ، فلا نُمعِنُ الفكر فيما لا أصل له . وأما اعتبار نساء العصبات فلا أصل له . وقد يُعترض على قولنا باعتبار أقصى نساء العالم إشكالٌ ؛ من جهة أن ذلك لا يمكن ضبطه ، مع اتساع رُقعة الدنيا ، والممكنُ في الجواب عن ذلك [ أنا لا يمكن أن نكلّف طَوْف العالم والفحص عن سكانه ، وإنما المراد ما يبلغ خبرُه ويعرَف ] ( 2 )

--> ( 1 ) في الأصل : اعتبار . والتصرف من المحقق . ( 2 ) ما بين المعقفين ، هو كلام إمام الحرمين كما نقله عنه الرافعي والنووي ( ر . الشرح الكبير : 9 / 441 ، والروضة : 8 / 372 ) . وأما عبارة الأصل ، فقد كانت هكذا : " أن ما لم نكف في الصرود والجزوم أمكن القضاء به " . وهو - طبعاً - غير مستقيم ، ولعل التصوير أو عوامل البلى ذهبت ببعض أطراف الحروف ونقطها ، مع احتمالٍ كبير في السقط والتصحيف والتحريف ؛ فإن ما نقله الرافعي والنووي لا شبه له بما هو في نسخة الأصل . والله أعلم بما كان .